محمد بن جعفر الكتاني
359
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
[ 320 - شيخ الجماعة سيدي محمد بن عبد القادر الفاسي الفهري ] ( ت : 1116 ) ومنهم : أخوه الشيخ الإمام ، حسنة الليالي والأيام ، نجم الأمة ، وتاج الأئمة ، العالم الكبير ، العلامة الشهير ، مصباح أهل زمانه ، ونور عين أعيان عصره وأوانه ، من جمع بين العلم والدين ، وسار بسيرة أسلافه المهتدين ، وحاز ورعا وعلما ، وديانة وعقلا وفهما ، وهمة عالية ، ونفسا أبية ، وأخلاقا سرية ، وأحوالا مرضية سنية ، وسيرة سنية ، الولي الصالح ، النفاع لعباد اللّه الناصح ، العارف باللّه ، الدال على اللّه ، مذكر الغافل والناسي ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد ( فتحا ) ابن سيدي عبد القادر الفاسي . كان - رحمه اللّه - من أفراد الرجال ، وممن بلغ في العلم والعمل مرتبة الكمال ، إماما في المعقول والمنقول ، ثبتا فيما ينقل أو يقول ، زاهدا ورعا خاضعا ، متواضعا خاشعا ، متين الدين ، سالكا سبيل الأئمة المجتهدين ، أحرز قصبات السبق في النحو والبيان ، والمنطق والحديث ، والسير والتصوف والأصول والفقه . . . وغير ذلك من العلوم ، واشتهرت فضائله اشتهار النجوم ، وكان له المرجع في الحوادث الوقتية ، والنوازل الدينية والدنيوية ، ومدار كل المهمات عليه ، وأمر جميعها راجعا إليه ، مع القيام بالحق ، وبذل النصيحة للخلق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والأخذ - ما أمكن - بالسنة وصحيح الأثر ، لا يخشى [ 316 ] صولة ظالم ، ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، حتى كان يضرب به المثل في الورع والتوجه إلى اللّه تعالى ، ونشر العلم ولزوم العبادة ، والتحري عن الشبه وإخماد البدع التي جرت بها العادة . وكان معظما عند خاصة الناس وعامتهم ، مقدما على علماء أهل فاس وصلحائهم ، وإذا حضر في مجلس لا ينصت إلا له ، ولا يسمع إلا منه ، وعرضت عليه الخطط ؛ فاستنكف عنها ، يدرس في جميع العلوم المعتبرة في الوقت بغير أجر ولا مرتب ، رافضا أسباب المعيشة كلها ، مقتصرا على ما يعنيه ، يتواضع للضعيف ، ويسلم على الملوك كما يسلم على الرعية ، ولا تجد له تصرفا إلا رأيت التحري يحيط به ، ويمرض أمراضا طويلة ولا يشكو لعواده ، ولا يظهر له جزع ولا اهتمام ما بأمر الرزق . وكان في أول أمره يكثر من إقراء علوم العربية ؛ لكونه بلغ فيها الغاية ، ثم في آخر عمره اقتصر على التفسير ، والحديث ، وكتب القوم . وكان الناس يستشفون بآثاره من العلل والأمراض ، ويتوسلون بجاهه في دفع العوارض وتحصيل الأغراض ، وشوهدت له الكرامات ، وظهرت له خوارق العادات ، بل ذكر في " سلوك الطريق الوارية " أنه وصف بالقطبانية . . . واللّه أعلم .